مملكة عشتار الأَدبية
اهلا بك زائرنا الكريم في مملكة عشتار يسرنا ان تكون معنا
أعطر الأمنيات
سارع في التسجيل


.
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» غربة الروح للشاعر د.حسن نعيم
الإثنين أكتوبر 02, 2017 9:30 am من طرف فراس النوتي

» حفل توقيع كتاب * أغدًا ألقاك * للكاتبة عنان محروس
الخميس سبتمبر 28, 2017 2:22 pm من طرف فراس النوتي

» الشاعرة السورية ( نوار حمد ) وقصيدة : أحلامٌ فوقَ القمم
الأربعاء ديسمبر 28, 2016 6:41 pm من طرف د.حسن نعيم

» *زفاف النصر على سورية* للشاعرة ( نسرين م. بدور )
الخميس ديسمبر 22, 2016 4:19 pm من طرف د.حسن نعيم

» ابحث عنك للدكتورة الشاعرة ( ليلى الصيني )
الخميس ديسمبر 22, 2016 3:53 pm من طرف د.حسن نعيم

» جدائل الشمس للأديبة الشاعرة ( عبير خالد يحيى )
الخميس ديسمبر 22, 2016 1:44 pm من طرف د.حسن نعيم

» نهاية اسرائيل
السبت سبتمبر 24, 2016 1:14 pm من طرف د.حسن نعيم

» الجلطة الدماغية
الثلاثاء سبتمبر 20, 2016 3:58 am من طرف د.حسن نعيم

» .. ليس لصاحبه في الآخرة من خلاق ؛ فساد في الدين
الخميس سبتمبر 15, 2016 10:59 pm من طرف زائر

أفضل الأعضاء الموسومين
المواضيع الأكثر نشاطاً
المدن الفلسطينية
عالم جوف الارض
بين الحقيقة والخيال 3
بين الحقيقة والخيال الجزء الثاني
المثيولوجيا الاغريقية
همساتك
انثاي الشاردة
(( أطياف حالمة )) ..... بقلم / خوله ياسين
قصة سيدنا موسى عليه السلام
قصة سيدنا محمد (صلى الله عليع وسلم )
ديسمبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      
اليوميةاليومية

شاطر | 
 

 مغامرات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د.حسن نعيم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 370
تاريخ التسجيل : 28/04/2016
العمر : 51

مُساهمةموضوع: مغامرات   السبت مايو 14, 2016 7:59 am

مغامرات
للكاتب البولندي ( فيتولد غومبروفتش )

في سبتمبر عام 1930م حين أبحرت إلى القاهرة سقطت في البحر المتوسط
وكان لسقوطي ضجة كبيرة ، فالبحر كان آنذاك ناعماً لم تغضنه الأمواج لكنهم لم يلحظوا ذلك إلا في الدقيقة التالية حين نأت السفينة عني بحوالي نصف الكيلو متر . في الأخير عندما أديرت صوبي زاد القبطان الذي إنتابته الحمى ، من سرعتها . لكنها تجاوزتني وأنا أضرب الماء المالح بيدي



ومرة أخرى إستدارت نحوي لكنها هذه المرة تجاوزتني أيضاً بسرعة القطار ثم توقفت بعيداً بعيداً . وتكررت المناورة عشر مرات وبعناد غير مألوف ، وأثناءها أبحر صوبنا يخت بخاري كبير ، خصوصي ، وإلتقطني ثم أقلع بعيداً عن سفينتي المسماة (أورينت) أمر قبطان اليخت ، ومالكه أيضاً ، بربطي وإلقائي في كابينة صغيرة في القاع . والسبب هو أنه أبدل حذاءه بحضوري ، وأنا إستغربت لبياض قدميه . حصل هذا سهواً . كان وجهه أبيض إلا أنني كنت قادراً على المراهنة بأن قدمه ستكون سوداء مثل القار ، إلا أنها كانت بيضاء تماماً ! والنتيجة كانت كراهيته لي لا تعرف الحدود . فقد أدرك بأنني كشفت سرّه الفيزيولوجي الذي لم يعرفه أي أحد في العالم عداي وهو أنه كان زنجياً أبيض ، وفي الأخير فهذه القضية بكاملها والحق يقال كانت مجرد عذر . خلال الأشهر الثمانية أبحر دون توقف . إلى الأمام دائماً ، وعبر بحاراً كثيرة ، وكانت الرحلة تتوقف لأخذ الوقود فقط . طوال الوقت كان يتلذذ بالحرية التي لا تحدّها حدود ، حرية الإرادة إزائي أنا المسجون في تلك الكابينة الصغيرة المظلمة الخالية من النوافذ ، أنا الذي كنت تحت إمرته دائماً . أكيد أن كل كراهية لابد أن تضيع في هذه الحرية التي لاتقاس ، وإذا كان قد حكم عليّ بميتة قاسية فليس السبب عذابي بل إنما يفعل ذلك لمتعته الشخصية . كان قد دبّر الأمر طويلاً كأنه أراد بواسطتي إستهلاك إنفعالات لم يجرؤ قط على الإقتراب منها ، شأن المرأة الإنجليزية التي وضعت دودة في علبة ثقاب ورمتها في شلالات نياغارا . حين أخذوني ، في الأخير ، إلى السطح إنتابني ، عدا مشاعر الخوف ، الحنين والأسى والإمتنان ، فعليّ الإعتراف بأن ميتتي التي تفتق ذهنه عنها كانت ، على وجه التقريب ، ذاتها التي طرأت على مخيلتي وحلمت بها مرة في طفولتي المبكرة . فبمساعدة أدوات مجلوبة خصيصاً ، ولا أريد وصفها ، أنجزوا عملاً بالغ الصعوبة

فقد وجدت نفسي داخل كرة زجاجية على شكل بيضة كبيرة لا أقدر على التحرك فيها إلا بأطرافي . كانت صغيرة بشكل لا أقدر فيه على تغيير إستلقائي . كان سمك الزجاج ثلاثة سنتمترات . وسطحه بلاعيوب ، وأماكن لحم عدا مكان واحد عملوا فيه ثقباً صغيراً يتسرب منه الهواء إلى الداخل . أخذوا بيضة ضخمة وخزوها بالدبوس ، حينها ستكون البيضة التي وجدت نفسي فيها . هناك مكان لي مثل مكان جنين الدجاجة . أراني الزنجي خارطة المحيط الأطلسي وعيّن موقع اليخت . كنا وسط المحيط بين إسبانيا وشمال المكسيك . هناك يمضي تيار غولفستروم الجبّار صوب قنال المانش ، والسواحل الشمالية لإنجلترا وإسكندنافيا ، لكن كان يبدو على الخارطة واضحاً أن التيار يتوزع على مبعدة ألف ميل عن أوربا ، وينعطف فرعه الجنوبي صوب الأسفل على اليمين وحينها يسمى بتيار الكناري . بعد ذلك ينعطف هذا التيار الى اليمين مرة أخرى ، أو إلى الأعلى ، ويكون إسمه تيار الأنتيل . وهنا ينعطف يميناً مرة أخرى ويلتحم بغولفستروم لكي يبدأ كل شيء من جديد . بهذه الصورة تخلق هذه التيارات دائرة مغلقة ذات قطر يتراوح طوله من ألف وخمسمائة كيلومتراً إلى ألفين . وإذا رميتم من على متن سفينتكم قطعة خشب إلى البحر فكونوا على ثقة بأن المياه ستحملها من الغرب بعد نصف سنة أو سنة ولربما ثلاث ، إلى المكان الذي مضت منه إلى الشرق

سنلقيك في الكرة الزجاجية ( بهذه الصورة يمكن تلخيص كلام الزنجي) وأي عاصفة لن تغرقك . معك رزمة فيها ثلاثة آلاف قطعة من مسحوق الحساء وهي تكفيك لعشر سنوات إذا مصصت قطعة واحدة في اليوم ، كذلك معك جهاز صغير لكنه مضمون لتحلية الماء . عموماً لن ينقصك الماء . فهو وافر حين تتأرجح على الأمواج وتحتها دون أن تدري ، وعلى هذه الشاكلة طوال عشر سنوات وحين تدنو منيتك عند نفاذ قطع الحساء ستواصل جثتك الدوران في الطريق المرسوم مرة وأخرى وأخرى . رموني إلى المحيط . وبدأت البيضةعلى الفور بالدوران عميقاً ثم أبحرت . والموجة العالية . في ذلك اليوم هبت الريح وكانت الشمس وراء الغيوم ، وكان سطح المياه محروثاً عميقاً وفي حركة شديدة ودائمة ، مسكتني على ظهرها ذي الرغوة الزيتونية اللون ورفعتني بصعوبة ، في لحظة واحدة ، بضجيج ، في تلك المياه السوّية غير المجعدة . تحت الماء كان كل شيء هادئاً وبلون أخضر . عند العودة إلى أعلى لم أر السماء العكرة والمبهمة إلا للحظة خاطفة ، إذ سرعان ما قذفني الجبل المائي الشاهق كأنه أصبع مارد عملاق ، في متاهة الدوامات ، وهذه المرة لدقيقة واحدة على الأقل . والموجة الثالثة رفعت الكرة بوداعة على أعرافها لمدة أطول . كانت قد سبقتني . وأزحت إلى جانبها الهارب . حينها تسرب بعض الهدوء إلى نفسي ، في الوادي . بعدها جاءت الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ، إنها العاصفة . فالعمالقة المحنيّون والوحوش الحدّب حملوني إلى القمم التي كان قد جنّ جنونها ، ومن ثم الدوران والسقوط إلى قعر الهاوية . ومن الطبيعي أنني لم أخش الغرق . فسفينة الزنجي كانت تتبعني طوال أسبوعين . وفي الأخير أبحرت هذه السفينة بعيداً . وفق التوصية مصصت كل يوم قطعة من الحساء وشربت الماء المرشح الذي أخذته من البحر بأنبوبة من مطاط . بهذه الصورة طمأنت أشواق جميع الذين كانوا يرنون إلى البحر من تلك السفن البخارية ذات الطوابق والمطلقة للأدخنة . لم أفلح قط في وضع أي ترتيب لحركتي الأبدية ، لم أكن أحزر هل سترفعني المياه أم ستسحقني وترميني حسب ، أم ستقذفني على وجهي أم على ظهري . كما لم يكن يإمكاني إدراك مسألة أخرى : هل أنا أتقدم رغم علمي بأنني أتوجه شرقاً ؟ ولم يكن هناك أي شيء عدا الجبال والوديان والضجيج وأعراف الموج وينابيع المياه الحارة وقرقرة تحمل ، صدفة ، وجدران راكضة ثائرة ، وسفوح شديدة الإنحدار وكتل تحتي لا أعرف متى تختفي ثم علو شاهق وبعدها هبوط مفاجيء وأعراف الموج الظاهرة الهاربة ثم المشهد من القمة وبعده الآخر من الوادي . جبال ووديان ، عمل الأوقيانوس كله . في الأخير إستسلمت

مرة واحدة فقط لاحظت كيف أن قطعة خشب وحيدة رافقتني أياماً كثيرة على مبعدة بضعة كيلومترات ثم إبتعدت شيئاً فشيئاً وإختفت في الفضاء العكر المشبع بالملح والضباب . أردت حينها الصراخ في بيضتي . فقد فهمت أن الخشبة حملتها المياه صوب سواحل أوربا بينما إنعطفت أنا مع الشطر الجنوبي من التيار صوب جزر الكناري كي أبقى إلى الأبد في محيط مغلق أدور فيه مرة ثم أخرى . كانت حسابات الزنجي مصيبة ! لكن بدل الصراخ أخذت بالغناء ، فالبحر يدعو إلى الغناء . مرت فوقي سفينة فرنسية تابعة لشركة نارشيه ريني . كسرت الزجاج وإلتقطتني من المياه . بهذه الصورة إنتهى هذا التجوال لكنه في الواقع لم ينته إلا بعدها ببضع سنوات . حين تركتني السفينة في ميناء فالبارايز ، وبدأت الهرب على الفور من الزنجي فقد كنت موقناً بأنه يطاردني . كان يقيناً أن الزنجي سيطاردني . قرأت هذا في نجوم السماء . والسبب في أن أحدهم فعل فعلة كفعلته لي ، ولأقلها بشكل أكثر وضوحاً : من يبدأ لعبة كهذه مع أحدهم لا يقدر على تركها أبداً شأن النمر الذي عرف طعم اللحم البشري . فهناك شيء في هذا اللحم لا يوجد في غيره أبداً . وهكذا هربت عبر أرض أمريكا كلها . بل أبعد ، صوب الغرب ، فقد كان يبدو لي أن أيسلاندا هي المكان الأكثر أماناً على الأرض ، لكن سوء الحظ كان لي بالمرصاد حين لم أحتمل في ريكيافيك نظرات موظف الجمارك وإعترفت بالذنب . أنا لم ألجأ إلى الحيلة في حياتي قط . كنت أنظرعلى الدوام بإستقامة في عيون موظفي الجمارك ، وكنت الباديء على الدوام بفتح الحقيبة . كنت على الدوام أتركهم راضين ومادحين . لكن هذه المرة لم يحتمل ضميري المثقل بالذنب ذلك التأنيب الصامت في نظرة الجمركي . أعترفت بالرغم من أن أمتعتي لا تحوي شيئاً مخالفا للقانون إلا أنني لست على ما يرام تماماً ولست دون ذنب تماماً ، فأنا قد هرّبت نفسي . ولم يضع الموظف العراقيل أمامي إلا أنه أخبر الجهة المختصة . وبعدها بيومين جاء الزنجي وأخذني إلى سفينته

للمرة الثانية وجدت نفسي في تلك العلبة المظلمة تحت سطح السفينة مشبعاً عبوديتي بما يملكه الزنجي من حرية مطلقة في أن يعمل ما يشاء . فقد ساق السفينة أينما أراد ولم يبخل بالفحم ولا البخار . كان طوال الوقت نهباً للأفكار والخطط أيّ مصير من المصائر التي لاتعّد يجعله مصيراً لي وأي نقطة من النقاط التي لا تحصى يجعلها نقطتي . أما أنا فتقبلت الأمر بصورة طبيعية كما لو أنه نصيبي منذ أن ولدت . في كل الأحوال كنت موقناً بنهاية الأمر التي لن تكون معروفة أو جديدة عليّ بل شيئاً عرفته وعلمت به وقد أكون بشوق إليه منذ أمد طويل . وفي الأخير حين شعرت ، بعد حبس خانق إستمر شهوراً طويلة ، بهواء البحر المنعش وجدت أن السطح الخلفي للسفينة قد إنبعج تحت ثقل كرة فولاذية ، أو بالأحرى مخروط فولاذي ، يذكر شكله بقذيفة المدفع بعض الشيء . لقد كلفه أمري هذه المرة ملايين كثيرة . أدركت على الفور أن داخل الكرة فارغ وإلا أين سأكون ؟ وصحّ قولي . فحين فكوا صوامل المنفذ ونظرت إلى الداخل رأيت غرفة صغيرة . كانت هذه الغرفة الفولاذية الصغيرة دون زينة أو إضافات . وقمت أنا بتحيتها كغرفتي الخاصة ، إلا أنني لم أفهم نوايا الزنجي تماماً رغم أن جدران الكرة سميكة لحد بالغ ، لكنني فهمت كل شيء حين قال لي بأننا في المحيط الهاديء وفي المكان الذي يوجد فيه أكبر عمق في العالم (17 ألف متر) وبالرغم من شعوري بالهلع الرابض على عنقي وأطراف اصابعي فقد علت إبتسامة غامضة زاويتي فمي . فأنا أرحب بالمعلوم والمعروف من زمان وبما هو لي من زمان

هكذا كان عليّ أن أكون الوحيد بين الأحياء ، الكائن الوحيد الذي سيتلوى هناك حيث لا توجد حتى أحياء البحر كالسرطان . والعطية الوحيدة هي الظلام والموت واليأس المطلق . بكلمة واحدة مصير لا مثيل له تماماً ، أما الزنجي فقد عصف به الفضول ، وليس الفضول فقط ، كي يعرف ما الذي يجري في القاع . عذبته فكرة أن ذلك المكان لن تطؤه قدمه أبداً . وتلك المنطقة الباردة ، الصخرية ، غريبة عليه ، فحين يسبح على السطح تكون هي في الأعماق قائمة هناك لذاتها ، تماماً لذاتها . إذن لا غرابة في أنه أراد أن يعرف وفي الساعة نفسها . وسيعرف حقاً يوم غد وخلال 17 كلم من المياه بأنني سأتلوى في القاع ، ولا أحد يدري ، وسيملك سرّ الأعماق حين يرميني كمسبار ولغاية القاع . إلا أنه حين تقرر نزولي إلى القبر تبين وقوع خطأ في الحسابات وأن وزن الكرة ليس بالكافي ، رغم سمك الجدران لن ترقد تحت الماء ، غير أن الزنجي أوصى بغرز خطاف في الكرة وربطه بسلسلة تنتهي بأثقال من حديد كان عليها أن تسحبني وراءها . وهذه الأثقال صنعت بشكل خاص كي لاتقصّر كثيراً وقت السقوط إلى الماء . للمرة الأولى أراني الزنجي الخارطة . فقد أراد أن أرى في النزع الأخير النقطة الموصول بها إلى الأبد . وبعدها أدخلوني إلى الكرة وضبطوا الصوامل . وحل الظلام النهائي . أحسست بهزة عنيفة وعرفت بأنني قذفت إلى البحر . أخذت أغرق ، لكن عليّ القول : إن ما عاينته آنذاك جاء مغايراً تماماً لما كنت أتوقعه . فلقد توقعت موقفاً معيناً من الواقع في تلك اللحظة في حين أنني فقدت بحكم الظلام وسمك جدران الكرة ، المعنى النفسي لما حصل وكنت عارفاً فقط بأني أدور وأسقط ، بأنني أغرق وأتحرك وأمضي إلى الأسفل . أخذت أتنفس دون عمق عندما جلست القرفصاء على تلك الأرضية الفولاذية . كانت الهزة غير شديدة في نهاية الرحلة التي إستمرت ساعتين ، فتلك الهزة أكدت لي بأنني هبطت . رأيت بذهني الثاقب كيف لمست الأثقال القاع وإرتفعت قليلاً وبذلك توترت السلسلة . وأخيراً كنت هناك ، كنت في القعر ذاته ، في ذلك المكان من الباسيفيك المليء بأكثر الأسرار ، كنت وعشت . لمست رجلاً برجل ، وفي الأعلى فوقي تماماً وعلى مبعدة سبعة عشر كيلومتراً كان الزنجي الملتذ بفكرة أنه يعرف ما يحصل في ذلك القاع الذي لايصله أيّ أحد وأنه انقاد إلى إرادته وأنه قذف المسبار وأن هذا القاع البارد الغريب حل به الدفء بفضله وأنه سيّد تعذيبي

لكن التعذيب بلغ شيئاً فشيئاً ذلك الحد من التوتر الذي أخذت فيه أخشى من أن يحوّل هذا التعذيب كل شيء إلى رقصة مجانين غير حقيقية . وبدأ يسيطر عليّ الخوف من أن يصبح التعذيب شيئاً ذا إنسانية قليلة لا يحقق الزنجي منها أي فائدة . وأنا أترك التفاصيل جانباً ، بل أتذكر فقط أن الظلام بعد أن إستقرت الكرة في القاع ، والذي كما ذكرت كان أكبر ظلام منذ اللحظة الأولى ، قد إشتد لدرجة دفعتني إلى أن أغطي وجهي بيدي وبعدها لم أقدر على إبعادهما عن الوجه ولو لثانية واحدة . كانتا ملتصقتين به . والأكثر من ذلك لم يتحمل وعيي الضغط الرهيب والعجن الفظيع والدفع ، وأخذت أختنق رغم أن حالة الهواء مازالت جيدة نسبياً ، إلا أنه كان إختناقاً متخيّلاً ، فأنا قد إختنقت قبل الأوان حين كنت أتنفس . وقد تكون هذه هي أسوأ اشكال الإختناق . والأسوأ هو أن حركاتي المنقبضة ، حركات الدودة ، بدت لي في هذه الوحدة فظيعة في لاشيئيتها وأن رعباً طغى عليّ ومن نفسي ذاتها ، ولم أقدر على إحتمال مسألة أنني أتحرك . وطرأ تغيّر على شخصي ، ولكم هو يختلف الآن ، في هذا الوجر تحت الماء الفظيع ، عنه في ضوء النهار أو الليل هناك في الأعلى . ولكم صار شخصي فظيعا ! وشحوبي الذي سلبه الظلام النموذجي اللون والتعبير ، شحوبي المكموم الذي ضخ إلى الداخل وأصابه العمى والبكم ، كان شيئاً مختلفاً في الجوهر عن أي شحوب ومهما كان مفزعاً إلا أنه الشحوب الذي يمكن رؤيته ومعه الشعر المنفوش كشعر القنفذ ، هنا ، في الحديد ، تحت الماء ، الشعر الفظيع كفظاعة الصرخة التي أردت أن أطلقها الا أنني ضبطت نفسي باذلاً كل الجهد ، فلوكنت قد أطلقتها لجننت على الفور . وهذا أمر لم أرده البتة . آه ، لا أعرف ببساطة ما اقوله ، ولكن تبدو الأنا مفزعة حين تنقل إلى ميدان غريب عليها تماماً كما يصبح الإنسان غير إنساني حين يستخدم كمسبار ، وبقدر ما يفوق هذا اللاإنساني كل الشرّ الذي يلقاه الإنسان . ولكن ليس الحديث هو عن هذه الأمور بل أريد أن أصف الطريقة التي خرجت بها من هذا المأزق . بدأت أترامى وأتدحرج وأتقافز وأرتطم بالجدران بكل قواي . أكيد أنها تصرفات إتفقت مع ما خطط له الزنجي الذي ينتظر في الأعلى بإستمرار . بدأت أتدافع وأتضاغط وأضرب الفولاذ ، أتقرفص وأتواثب وأتضاغط وأدفع الجدران حتى النهاية

وهذا الجنون العقيم أثار ، كما يبدو، حركة ما أو إحتكاكاً في الخارج . لا أعرف هل إنقطعت السلسلة المتآكلة بسبب الصدأ أم أن الكُلاَّب أفلت من عنق السلسلة أو سقطت الأثقال المربوطة بصورة سيئة نتيجة صدمة قوية . جاء الخلاص والراحة فجأة . فقد صعدت الكرة بسرعة متزايدة . وبعدها ببضع دقائق إنقذفت بفعل الضغط العظيم كسدادة قنينة في السماء على علو يبلغ كيلومتراً على الأقل . بعدها فتح صوامل الكرة طاقم سفينة تجارية إسمها هاليفاكس . لا أعرف ما حصل للزنجي . ربما دمرت الكرة عند سقوطها ، اليخت ، ربما ترك المكان وهو مسرور لما حدث . في كل الأحوال إختفى لأمد طويل . ووصلت السفينة إلى بيرنامبوكو ومنها عدت إلى بولندا كي أستريح . وفي ذلك الحين سقط مذنب ضخم في بحر قزوين الذي تبخر ماؤه كله في لحظة واحدة . وأحاطت أنقاض مشققة ومتورمة من الغيوم الأرض ثم إرتفعت فوقها مهددة بطوفان آخر ، وفي بعض الأحيان كانت الشمس تنفجر من بينها بحزم من الأشعة الحارة . وساد كمد عظيم . ولم يعرف أي أحد كيف العودة و بلاضرر ، بهذه الأجساد المخدّرة إلى رحمها الذي قامت فيه . وفي الأخير بدأ أحدهم بدغدغة سحابة مخيّمة على البحر الموحش . كانت ذات لون قرمزي مليء بالسواد الأكثر قتامة . وفتحت هي قربها . وحين أفرغتها بدأت في الفراغ السماوي الذي تشكل بعد إختفائها ، تتجمع سحب أخرى ، ومن جديد راحت تصبّ الماء بصورة آلية وتلقائية ، ومن جديد خلقت بحراً

عندما عدت الى قريتي في إقليم ساندومييج إسترحت وذهبت مرة إلى الصيد ولعبت البردج وقمت بزيارات في المناطق المجاورة . وفي إحداها كانت هناك فتاة لو ترك لي الخيار لألبستها ، بكل سعادة ، إكليل الزواج وطوق الريحان . وكان كل شيء قد هدأ وسكن . الزنجي ، كما قلت ، إختفى في مكان ما ، ولربما لم يكن موجوداً البتة ، عدا ذلك قدم الخريف وتساقطت أوراق الشجر وأخذ الهواء يبرد مع كل يوم ، وشجع كل شيء على المناداة والعدو والشوق والإنطلاق كيفما يشاء المرء . وأخذت أفكر ، من باب اللهو ، ببناء بالون نزهة من النوع الأصلي . وبعدها بقليل كان بالوني جاهزاً . غشاؤه من قماش خاص عازل وخفيف ومتين ، وقوة الدفع كانت الهواء المسّخن . ففي أسفل القماش كان معصم حديدي إذا رفع كشف عن مكان كبير وضع فيه مصباح نفطي إعتيادي يقف على أرجل حديدية مثبتة . يكفي إشعال المصباح وإدارة الفتيل كي ينتفخ البالون وتتوتر حباله المربوطة بالسلة . لقد إستطعت أن أحفظ غشاء البالون بسهولة في مخزن الغلال . عندما ملأته بالهواء ، وتستمر العملية عادة حوالي الساعة ، بلغ قطره من ثلاثين إلى أربعين متراً . والحق أن مثل هذا التغلب البسيط على أكبر صعوبة ، أي إستخدام مصباح صغير لبالون كبير ، لا يعود إلى مهارتي التقنية بل لذلك اللعب الثقيل الذي إجتاح الطبيعة . ولا أنكر أبداً أنني خفت حين جلست للمرة الأولى في السلة وأمامي منظر هذه الضخامة المحققة فوقي إلا أنها كانت ضخامة خفيفة ، والداخل فارغ ووديع مثل الطفل . وعملية تسخين البالون ذاتها ونفخ الكرة الضخمة وتوتير الحبال وتنامي المرونة وفحيح المصباح جاءني كل هذا بكثير من الغبطة . كان عليّ الإنتظار طويلاً لغاية إنتشار الهواء بالشكل المناسب . وفي الأخير تحرك البالون ، فجأة ، إلى أعلى وبسرعة كبيرة . أدرت الفتيل لكي يبقى البالون فوق أعلى الأشجار في حديقتي . والريح الخفيفة حملته فوق الحقول بإتجاه جيران معلومين . مررت بالغابة والنهر والقرية وأحدثت جلبة وبعثت بالتحيات ووجدت نفسي على علو خمسين متراً فوق باحة معلومة وأمام مدخل ذي أعمدة معلوم وعزيز عليّ . أدرت الفتيل وبعدها هبط البالون دون ضجيج على العشب . وكم كانت الدهشة كبيرة ! وكم من الضحكات والمديح والإطراء لي وللبالون ! فلا أحد رأى من قبل شيئاً شبيهاً بهذا ! وتوقفوا عن شرب شاي العصر كي يملأ العجب نفوسهم ، وبعدها دعوني إلى تناول القهوة مع الجبن والمربى ثم أخذت إلى السلة راكباً واحداً فقط ، وأدرت الفتيل بقوة

كانت المتعة الجسدية لهذه الرحلة تعتمد قبل كل شيء على أن البالون كان كبيراً ومملوءاً للغاية ، وكذلك على أنه كان بالإمكان التحليق فوق رؤوس الناس لكن على مبعدة يد مرفوعة . وعند الوصول إلى بيت أو شجرة يمكن للبالون أن يصعد ويعود هابطاً بمحاذاة الأرض . كان البالون ، وهو ضخم ، حسّاساً إلى حد غريب ولا يحدث ضجة . كما كان خاضعاً لكل نزوة من نزوات الهواء ، ونحن الموجودون في السلة كنا مثله أي تقمصتنا روحه الوديعة والطفولية . كما أن النسيج الخفيف الذي داعب ، وجنات الآخرين رفعنا إلى أعلى ، ولم يكن ممكنا التنبوء بمصيرنا في الفضاء . ولم تكن هناك في الهواء أية ماكينة عدا مصباح نفطي واحد دون غاز ، لا شيء غير القماش والحبال والسلة ونحن والهواء . وأخيرا هناك الظل الكروي الرائع السائر على العشب . إلا أن ما منحني السعادة وبأكبر قدر ، راكب البالون وليس البالون نفسه . فوق المروج والحقول والأكمة تعرفت للمرة الأولى في حياتي عليها بشكل مستمر وبقرب متزايد . كانت تستمع إليّ بشغف ووددت لو قبّلت ألف مرة أذنها الصغيرة اليقظة والفاهمة . ورغم أن النساء مولعات بالرومانتيكية لم أتحدث أمامها عن الزنجي ومغامراتي الأخرى ، بسبب الحياء غير المفهوم والمضطرم الذي حذرني من أن لا أفرط في الكلام . وجاء يوم تبادل الخاتمين وبعدها أخذ يقترب يوم الزواج . طوال ذلك الوقت لم أفكر بأي أمر سيء ، وطردت جميع الذكريات ، فقد عشت لها وللبالون ، عشت منذ اليوم ، منذ الأمس ولربما هربت من الماضي ، في طريق للسعادة مستو وهاديء ، وحتى أن الأحلام السيئة تركتني . أبداً . لم يكن هناك ولا إنحراف واحد عن الدرب السوي . أيّ إختلاس نظر لذلك الشيء . وكان في الأخير موجوداً حقاً . لكن ما مضى إنقضى البتولا هي بتولا والصنوبر هو صنوبر والصفصاف صفصاف . وهذا ما حصل . في إحدى المرات وقبل أسبوعين من حفل الزواج في كنيسة المنطقة ، حين إعترتني الرعشة السرّية الحبور السابقة للزواج وعندما قدّم الجميع التهانيء والتمنيات جاءتني الرغبة في أن أجرب رحلة بالونية في ليلة عاصفة . أردت فقط أن أعيش التأرجح في ريح شديدة ، وعليّ القول إنني لم أملك نوايا أخرى أو رغبات سيئة . إلا أن الريح إختطفتني بقوة مستكلبة (الأصح لم تكن ريحاً بل الزنجي نفسه) وبعد قلق دام ساعات طوال إرتفعت فجأة ستارة الفجر ، ولم أرد أن أصدّق عيني ، فتحتي كان البحر الأصفر طافحاً . على الفور أخذت موقف الإعتدال ، وأن تلك الأمور جاءت نهايتها وبدأت أخرى

ومن جديد.. و.. و.. تنتظرني الفظاعات الصينية . وودعت إلى الأبد أشجار البتولا والصنوبر والصفصاف وذلك الوجه والعينين المعلومتين ، وإنفتح كياني كله بخنوع على المعابد الملوّية والكهنة اليابانيين وتماثيل الحكماء ، حين إشتعلت آخر قطرة من النفط في المصباح هبطت السلة عند ساحل جزيرة ليست بالكبيرة . ومن الأحراش القريبة خرج رجل صيني صرخ حين رآني وهرب إلا أنني أخذت ألوح بيدي طالباً منه البقاء ، فقد كان بالطبع مجذوماً . وقف متردداً وتفحصني بكل إنتباه وصدرت عنه سعلة غير واضحة كما لو أنه كان مدهوشاً ثم لمس بشرته المقززة بنتوآتها القاسية وقادني صوب أكواخ من قصب بائسة كانت في البعيد . وواصل تحديقه إليّ . لم أعرف القصد من هذه النظرات . وكنت قد توقعت الأمر . رغم ذلك سرت وراءه . عندما وجدنا أنفسنا في تلك القرية صار جلدي يصرخ من العنف وقد شدّ وتقلص من الرعب . القرية كلها كانت مجذومة . الشيوخ والنساء والعذارى والشباب عدا بضعة أطفال صغار ذوي جلد ناعم . كانت هناك أعراض المرض المسمى ، قدر علمي ، بداء الفيل وكل شيء كان خشبي المظهر والعقد ، متضخماً ، وفي بقع ذات لون أبيض كامد وأزرق غامق وأحمر متسخ ، وفي أزرار صغيرة وخراطيش ونتوءات وقروح قديمة

لم يكونوا متواضعين وخنوعين شأن أخوانهم في مدن آسيا ، ومن بعيد ، بالصراخ ، من وجودهم المنفر . أوه ، كلا . ينبغي الإعتراف ، وعلى الفور ، بأن لا علاقة لهم بالتواضع والخنوع ، بل على العكس فقد أحاطوا بي وتدافعوا صوبي بأصابعهم ذات العقد القاسية وبأظفارها غير الطبيعية ، لكنني هجمت عليهم وأنا أصرخ مهدداً بقبضتي . على الفور إختفوا في تلك الأكواخ . وتركت القرية على عجل ، لكن حين إلتفت إلى الوراء بعد ان إبتعدت لبضع مئات الأقدام ، رأيت ذلك الحشد وهو يخرج من الأكواخ ويقتفي أثري . حين ضربت الأرض بقدمي إختفوا إلا أنهم خرجوا من جديد . كانت مساحة الجزيرة تبلغ عشرة كيلومترات . ويمكن القول إنها كانت غير مأهولة ومعظم المساحة كانت تغطيها غابة كثيفة . مضيت بسرعة كبيرة بدون توقف ، كذلك بعصبية وتصالب وذعر ، فقد شعرت بإستمرار أن وراء ظهري كانت تلك الوحوش المبقعّة . لم أرد الإلتفات إلى الوراء . أردت التظاهر بأنني لا أعرف ولا أرى شيئاً . كان ظهري يحذرني من إقترابهم البطيء . مضيت ومضيت في شتى الإتجاهات كرحالة وسائح وباحث . مرة هنا وأخرى هناك ، وفي كل مرة تزداد سرعتي كأنني إنسان ذو أشغال عاجلة ، ولكن في الأخير إفتقدت الأمكنة الخالية من الأشجار ودخلت طريقاً يتوغل في أحراش الغابة الكثيفة . وهذه المرة إقتربوا مني كثيراً وسمعت همسهم وحفيف الأغصان

حين رأيت الجلد المبثور المتلصص بين الأحراش إستدرت بعنف شمالاً ، وحين قفزت من هناك رأيت بين النباتات المتسلقة شيئاً كما لو أنه يد مجذومة . بعدها دخلت فسحة خالية من الأشجار لكنهم تعقبوني . ومرة أخرى ضربت الأرض بقدمي وتراجعوا في الأحراش . تقدمت إلى الأمام ، إلا أنهم عادوا ثانية بسرعة بالغة لحوحين كالجرذان بهمسهم وتلويحهم بالأيدي وتدافعهم . وقد إزدادت جسارتهم . وكل شعرة فيّ كانت متوترة كالسلك . ماذا ؟ ما الذي رأوه فيّ هؤلاء ذووالعقد ؟ وماذا أرادوا ؟ النساء يعرفن حين تتعقبهن عصابة من الأوغاد بتحرشاتهم ومزاحهم البذيء ، حينها يسرعن منكسات الرؤوس . وهذه كانت حالي تماماً . ماذا أرادوا ؟ لم أفقه الأمر ولم أدرك المسألة الجديدة . ويكون أمراً جيداً التعمق في جوهر الظروف التي إنتزعتني من هناك وألقت بي في هذه الجزيرة ، في رعشات العرس ، وفي الكنيسة وفي طوق العروس . لابد لكل هذا أن يكون وكما كان . بإختصار أنا أثيرهم ، وكما يبدو ، بشكل خاص رغم أنني لم أعرف مصدر هذه الإثارة ولا معنى صرخات الدهشة التي يطلقونها ولا ضحكهم ولا مزاحهم المقزز . إلا أن القذارة والتكلف والشراهة لم تكن كلها موضع الشك ، ففي أصوات الرجال الوحوش أحسست بالعنف الأعمى ، وفي أصوات النساء الوحوش ذلك الفرح الخبيث الذي يثيره ، عادة ، بين الكائنات البشرية من جميع الأجناس وفي كل مكان شيئان : البراءة والفجاجة .. أوه ، كلا ، لو كان الجذام وحده لقبلت الأمر لكن ليس الجذام والإيروسية معاً ! أوه ، كلا ، يالله أنا لا اقبل الجام الإيروسي

وهكذا هربت كالمجنون وهم ورائي وصراخهم يعلو . لكن لم تلحق حوافرهم المجذومة بذعري الجنوني . إختبأت على غصن كبير متسلحاً بعصاً غليظة وأقسمت بأنني سأهشم رأس أول واحد يقترب مني . شيئاً فشيئاً إنكشفت الحيلة الجهنمية لهذا التعذيب . إكتشفت كامل تلك الآلية المعقدة للإحتمالات التي جعلت هذه الفنتازيا واقعاً . فإلى الجزيرة لم تصل منذ ثلاثمائة أو مائتي سنة أية سفينة . فقد نسيها الجميع كما ينسون أحياناً جميع هذه الجزر الصغيرة القاحلة . فسكان الجزيرة لم يروا ، وآباؤهم ايضاً ، إنساناً غريباً قط . نعم . لكن كيف نفهم السوقية والهزء الأناني وتلك المطاردة الفظيعة والرغبة في التحرش ؟ أوه . إنه ليس بالأمر الصعب ! لا صعوبة هناك . فعلى المرء أن يتجلبب بالروح الزنجية التي تتحكم بهذه الأمور . بهذا الخصوص كانت لي تجارب . ومنذ قديم الزمان ، ربما منذ بضعة أو أربعة أجيال بالضبط ، أصابهم الجذام . ومع مرور الزمن روّضوه وإعتبروه صفة طبيعية في الإنسان . وظاهرة البقع كانت في عيونهم أمراً طبيعياً للجنس البشري تماماً كاللونية للفراش ، والأورام طبيعية أيضاً ، كعرف الديك ، ودون العقد والأزرار الجلدية واللحمية ، يصعب عليهم فهم الإنسان تماماً كما يصعب علينا فهم من لا يملك شعرة واحدة في جلده . الأطفال ولدوا ناعمي الملمس وأنقياء . وبعدها بسنوات أصابهم المرض . وجرى الوقت الذي بدأت فيه جلودهم تتضخم في طبقات . معاً مع وقت النضوج

وكان قد صادف وقت القبلة الأولى ، والسحر الأول للحب . وحين رأوني ناعماً بهذا الشكل المضحك ودون أي أورام ، ورقيقاً بهذا الشكل المسلي ، دون بقع وطبقات جلدية وأزرار نجمية الشكل ومغزلية شبيهة بألوان الفراش ، أوه ، كما هي الحال عندنا حين يغيرّ شعر اللحية الطفل إلى رجل . وكان عليهم أن يفكروا بما فكروا . كان عليهم أن يتدافعوا ويسخروا ويهزأوا أو يعذبوا حين لاحظوا بأنني أخشاهم وأنني خجل وأنني أهرب من شدة الحياء . كانوا في غاية الفرح حين وظفوا كل هذه الفظاعة ، فظاعة نضجهم في مطاردة براءتي المتخفية ، وبقوة شبيهة بالقانون الجهنمي السائد بين الصبيان في المدرسة . عشت كالقرد في هذه الجزيرة لمدة شهرين متخفياً في فجوات الأشجار أو في الأدغال الكثيفة أو قمم النخيل . كان هؤلاء الوحوش قد نظموا حملة صيد من الناحية الشكلية ، ولم يسلهم أي شيء آخر أكثر من خجلي أمام لمساتهم . كانوا يتربصون بي في الأدغال ويهاجمونني بغتة مطلقين ذلك الحوار المرح والشره ، ولولا رائحتهم الشبيهة برائحة التيس ، وخراقة أطرافهم والخوف اليائس الذي ضاعف بأسي لكنت قد وقعت مائة مرة بين مخالبهم ، لكن قبل كل شيء لولا الجلد الذي يتقلص دون إنقطاع ، الجلد الحسّاس والمذعور والمنهك الذي هو في عجلة أبدية من أمره . لقد كففت عن أن أكون أي شيء عدا الجلد الذي كنت أنام معه وأستيقظ . لقد كان هو ولاشيء غيره ، كان كل شيء عندي

وفي الأخير إكتشفت ، مصادفة ، بضع قنان نفط من سفينة محطمة ألقت بها أمواج البحر . أفلحت في ترقيع البالون وحلقت تاركاً الجزيرة . لكن ما الذي كان عليّ عمله حين رأيت ثانية أشجار الزان والصنوبر .. إلخ ، وتلك العيون ؟ ما الذي كان عليّ عمله أنا الذي هو ، ومهما كان الأمر ، ناعم دون أورام وبقع وطبقات جلدية وقروح وصدف ، كذلك لم أكن ذا عقد جلدية البتة ؟ ما الذي كان علي عمله ، وهل كنت وأنا وردي اللون وطفلي قادراً على التحديق في تلك العيون ؟ ما الحيلة طالما كنت غير قادر؟ وهكذا إفترقت مع ما كان . وفي الأخير كنت مشغولاً ، بعدها ، بمدة قصيرة ، بمغامرات أخرى ، أوه لم تفتقد المغامرات عامة . وأذكر أنه في عام 1918 كنت أنا وليس غيري ، من إخترق خطوط الجبهة الألمانية . كما هو معلوم كانت الخنادق قد وصلت ساحل البحر ، وكانت بالفعل نظام قنوات جافة وعميقة تمتد دون توقف لخمسمائة كيلومتر . أنا الوحيد الذي خطرت بباله فكرة بسيطة وهي ملء القنوات بالبحر . وإندفعت المياه بلا عائق كي تغطي الجبهة كلها . وجيوش الإئتلاف المدهوشة كانت تشاهد الألمان المبللين وهم يتقافزون مذعورين في ذباب فجر ذلك اليوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://web.facebook.com/profile.php?id=100002525185630
 
مغامرات
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مملكة عشتار الأَدبية :: مقهى عشتار قصص الشعوب-
انتقل الى: